محمد حسين هيكل
218
حياة محمد ( ص )
وهو بتأليبه قريشا وغطفان وتحزيبه العرب كلها لقتال محمد جسّم العداوة بين اليهود والمسلمين ، وجعل هؤلاء يعتقدون أن بني إسرائيل لا تطيب نفوسهم إلا باستئصال محمد وأصحابه . وهو الذي حمل بني قريظة من بعد ذلك على نقض عهدها والخروج من حيادها ، ولو أنها بقيت عليه لما أصابها من الشرّ شيء . وهو الذي دخل حصن بني قريظة بعد ارتحال الأحزاب ودعاهم لمواجهة المسلمين والدفاع عن أنفسهم بمقاتلتهم ، ولو أنهم نزلوا على حكم محمد منذ اليوم الأوّل واعترفوا بخطئهم في نقض عهدهم ، لما أهدرت دماؤهم وضربت أعناقهم . لكن العداوة بلغت من التأصّل في نفس حييّ وانتقلت منه إلى نفوس بني قريظة حدّا جعل سعد بن معاذ نفسه ، وهو حليفهم ، يؤمن بأنهم إن أبقى على حياتهم لم تهدأ لهم نفس حتى يؤلّبوا الأحزاب من جديد ، وحتى يجمعوا العرب لقتال المسلمين ، وحتى يقتلوهم عن آخرهم إن ظفروا بهم . فالحكم الذي أصدره على قسوته إنما أصدره متأثرا بالدفاع عن النفس ، معتبرا بقاء اليهود أو زوالهم مسألة حياة أو موت بالنسبة للمسلمين . قسمة أموال بني قريظة وقسم النبيّ أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد أن أخرج منها الخمس . قسمها بأن كان للفارس سهمان ، ولفرسه سهم ، وللراجل سهم . وكانت الخيل يوم قريظة ستة وثلاثين فرسا . ثم بعث سعد بن زيد الأنصاريّ بطائفة من سبايا بني قريظة إلى نجد ، فابتاع بها خيلا وسلاحا زيادة في قوّة المسلمين الحربية . وكانت ريحانة إحدى سبايا بني قريظة قد وقعت في سهم محمد ، فعرض عليها الإسلام فأصرّت على يهوديتها ، وعرض عليها أن يتزوّجها فقالت : بل تتركني في ملكك فهو أخفّ عليّ وعليك . ولعل حرصها على اليهودية ورفضها الزواج يرجعان إلى عصبيتها لقومها ، وما كان باقيا في نفسها من كراهية للمسلمين ولنبيّهم . ولم يتحدّث أحد عن جمال ريحانة ما تحدّثوا عن جمال زينب بنت جحش ، وإن ذكر بعضهم أنها كانت جميلة وسيمة . وقد اختلفت السير فيها : أضرب عليها الحجاب كما ضرب على نساء النبيّ ، أم أنها ظلّت كسائر نساء العرب يومئذ لم يضرب عليها حجاب . وبقيت ريحانة في ملكه حتى ماتت عنده . وطّدت غزوة الأحزاب ، ووطّد القضاء على بني قريظة ، للمسلمين في المدينة ، فلم يبق للمنافقين فيها صوت قطّ . وذهبت العرب كلها تتحدث بقوّة المسلمين وسلطانهم ، وبمقام محمد وقوّته ورهبة جانبه . ولكن الرسالة لم تكن للمدينة وحدها بل كانت للعالم بأسره . فما يزال على النبي وأصحابه إذا أن يمهّدوا لكلمة اللّه ، وأن يدعوا الناس لدينه الحق ، وأن يصدّوا عنه كل معتد عليه . وهذا ما فعلوا .